مقالات وتحليلاتبرشلونهباريس سان جرمان

بين الاستحواذ والضغط.. المعضلة التي تواجه فليك أمام إنريكي

هل تحتاج إلى الاستحواذ على الكرة أكثر، أم إلى الضغط بصورة أكبر؟ هذه هي الحيرة الحقيقية قبل مواجهة باريس سان جيرمان. لكن بعد مراجعة مباراة باريس ومانشستر سيتي، أعتقد أن مفتاح المواجهة لا يتعلق بالاختيار بين الاستحواذ والضغط بقدر ما يتعلق بكيفية الجمع بينهما دون أن يدفع برشلونة ثمن اندفاعه.

باريس استغل المساحات في وسط الملعب بوضوح، وكان فابيان رويز أبرز المستفيدين منها. الإسباني يمثل دائمًا اللاعب الحر الذي يمنح الفريق مخرجًا إضافيًا، ويتحرك بذكاء في المساحات الفاصلة بين خطي الدفاع والوسط، ثم يتولى مهمة نقل الكرة وربط الخطوط. وإذا منح برشلونة رويز المساحة والوقت نفسيهما، فسيكون قد وضع نفسه أمام مشكلة تكتيكية حقيقية.

لا أعتقد أن هانسي فليك سيتراجع عن فلسفته في الضغط العالي، حتى لو كان يعلم أن لويس إنريكي درس أسلوبه جيدًا. لذلك، أتوقع أن يحافظ برشلونة على فكرته الأساسية، مع بقاء بعض التفاصيل الدفاعية مفتوحة على الاحتمالات؛ سواء بالاعتماد على كانسيلو ومارتن وكوبارسي إلى جانب المدافع الرابع، أو إجراء تعديل بإشراك كوندي في قلب الدفاع.

في الوسط، أرى أن وجود رودري وبيدري وفيرمين لوبيز يمكن أن يكون حاسمًا، لكن بشرط أن يؤدي كل لاعب دوره بدقة. رودري مطالب بالموازنة بين الواجبات الدفاعية والاستحواذ، والأهم ألا يتسرع في التخلص من الكرة تحت الضغط. أمام فريق مثل باريس، خسارة الكرة في منطقة البناء ليست مجرد خطأ عابر، بل قد تتحول خلال ثوانٍ إلى فرصة خطيرة.

أما بيدري، فسيكون أحد أهم مفاتيح الخروج من الضغط. إنريكي يعرف جيدًا أن فليك يفضل الضغط رجلًا لرجل، ومن الطبيعي أن يحاول استغلال ذلك لتعقيد عملية بناء اللعب أمام برشلونة. هنا تظهر قيمة بيدري الحقيقية: استقبال الكرة تحت الضغط، والتحرك في المساحات الضيقة، ثم إيجاد التمريرة التي تكسر الضغط وتمنح الفريق فرصة للتقدم بدلًا من الاكتفاء بتبادل الكرة في المناطق الخلفية.

لكن ماذا عن المرحلة التي يفقد فيها برشلونة الكرة؟

هنا أرى أن الضغط هو الخيار الأهم، وليس الاستحواذ لمجرد الاستحواذ. إذا نجح برشلونة في إغلاق العمق ومنع باريس من الوصول بسهولة إلى لاعبيه بين الخطوط، فسيجبره على التوجه نحو الأطراف، حيث يمكن تقليل خطورته وفرض ظروف أصعب على عملية بناء اللعب. الفكرة تشبه ما حدث في الهدف الثاني لإيرلينغ هالاند أمام باريس؛ إذ يمكن لاستغلال المساحات الناتجة عن اختلال التنظيم الدفاعي أن يحول الضغط إلى فرصة مباشرة للتسجيل.

هجوميًا، أفضل وجود لامين يامال ورافينيا وغوردون، مع فيرمين لوبيز خلفهم. وأميل إلى غوردون على حساب أديمي، رغم أن كليهما يمتلك السرعة والقدرة على الضغط. السبب بسيط: كرة القدم ليست سباق سرعة مستمرًا، وليست مباراة بينغ بونغ يتبادل فيها الفريقان الهجمات بلا توقف. ستأتي لحظات يحتاج فيها برشلونة إلى تهدئة الإيقاع، والاحتفاظ بالكرة، وربط الخطوط، والخروج من الضغط بتمريرات محسوبة.

في هذه التفاصيل، أرى أن غوردون يمنح الفريق خيارات أفضل في الاحتفاظ بالكرة والربط مع فيرمين لوبيز، بينما قد يتسبب فقدان أديمي المتكرر للكرة في إفساد بعض الهجمات. أما الدفع بأديمي في الشوط الثاني، عندما تبدأ المساحات في الظهور وتتراجع قدرة المنافس على مجاراة السرعة، فقد يكون خيارًا أكثر فاعلية لاستغلال إرهاق دفاع باريس.

ويبقى لامين يامال أحد أهم مفاتيح المباراة، لكنه مطالب بالتعامل مع الضغط بجدية أكبر. لا يكفي أن يكون خطيرًا عندما تصل إليه الكرة؛ عليه أيضًا أن يشارك بفاعلية في الضغط على حامل الكرة، وأن يساعد فريقه على استعادة الاستحواذ بدلًا من ترك زملائه يواجهون التفوق العددي وحدهم. أمام باريس، قد تكون هذه التفاصيل الصغيرة هي الفارق بين هجمة خطيرة وأخرى تنتهي بكسر ضغط برشلونة والوصول إلى مرماه.

إذا نجح برشلونة في تنفيذ الضغط بصورة جماعية خلال الشوط الأول، وأغلق العمق، ومنع باريس من الاستفادة من فابيان رويز والمساحات خلف خط الوسط، فسيكون قادرًا على استنزاف منافسه بدنيًا وذهنيًا. وعندها، قد يصبح إشراك أديمي في الشوط الثاني ورقة حاسمة لاستغلال المساحات التي ستظهر مع مرور الوقت.

في النهاية، لا أرى أن هذه المباراة تستدعي من فليك التخلي عن أفكاره، بل تحتاج منه إلى تنفيذها بأعلى درجات الانضباط. برشلونة لا يلعب نصف نهائي دوري الأبطال ولا نهائي البطولة؛ إنها مواجهة في مرحلة الدوري، والخسارة لن تعني نهاية العالم. لكن الفوز على باريس سان جيرمان سيمنح الفريق دفعة معنوية كبيرة، ويؤكد للاعبين أنهم قادرون على مواجهة أحد أصعب المنافسين أوروبيًا دون التخلي عن هويتهم.

السؤال ليس هل سيضغط برشلونة أم سيستحوذ، بل هل يستطيع الضغط دون أن يخسر السيطرة، والاستحواذ دون أن يفقد شراسته؟ هنا تحديدًا ستتحدد ملامح المواجهة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى