مقالات وتحليلاتريال مدريدليفربول

هل فقدنا القدرة على تقييم اللاعبين؟ الأرقام تكشف أزمة حقيقية

هناك أزمة حقيقية في كرة القدم اليوم، ولا تتعلق فقط بمستوى اللاعبين أو ضعف أرقامهم، بل بالطريقة التي أصبحنا نُقيّم بها اللاعبين ونصنع بها النجوم.

دعونا نتحدث بالأرقام، بعيدًا عن الضجيج الإعلامي واللقطات التي تجتاح مواقع التواصل.

باركولا، الجناح الذي تحوّل إلى أحد أبرز الأسماء في سوق الانتقالات، والذي أنفق ليفربول من أجله مبلغًا ضخمًا، يُفترض أن يكون مشروع نجم قادر على قيادة هجوم الفريق وصناعة الفارق.

لكن عندما نعود إلى مسيرته، نجد أنه سجّل 7 أهداف وصنع 11 مع ليون في 47 مباراة، ثم سجّل 39 هدفًا وصنع 35 بحسب البيانات الرسمية لليفربول في 152 مباراة مع باريس سان جيرمان.

هذه ليست أرقام لاعب فاشل، ولا يمكن تجاهل أنه قدّم موسمًا استثنائيًا في 2024-2025، ساهم خلاله في 39 هدفًا مع باريس.

لكن السؤال الحقيقي هو: هل يكفي ذلك لوضعه مباشرةً في مصاف النخبة المطلقة، والتعامل معه باعتباره نجمًا قادرًا على قيادة مشروع بحجم ليفربول؟

خصوصًا أن قيمة الصفقة المتداولة تجاوزت 140 مليون يورو بحسب تقارير صحفية فرنسية.

هنا يجب أن نفرّق بين لاعب يمتلك الموهبة ويقدّم مواسم جيدة، ولاعب أثبت بالفعل أنه قادر على حمل مسؤولية فريق كبير لسنوات.

والأمر نفسه ينطبق على يان ديوماندي.

هل تعرفونه؟ أصبح اسمه حاضرًا بقوة في سوق الانتقالات، وتحول إلى أحد أبرز المواهب التي تتحدث عنها الجماهير.

لكن هل نتحدث عن لاعب أثبت بالفعل أنه نجم من الصف الأول، أم عن موهبة واعدة قد تصبح كذلك مستقبلًا؟

ديوماندي سجّل هدفين مع ليغانيس، ثم سجّل 13 هدفًا في جميع المسابقات مع لايبزيغ، قبل انتقاله إلى ريال مدريد في صفقة قُدّرت بنحو 140 مليون يورو، شاملة المتغيرات.

أرقام تستحق الاهتمام، وموهبة تستحق المتابعة، لكن هل تكفي هذه المسيرة لتبرير التعامل معه باعتباره نجمًا مكتملًا؟

الموهبة شيء، وما أنجزته بالفعل شيء آخر، وما قد تحققه مستقبلًا شيء ثالث تمامًا.

وعندما ترى حجم الأموال التي تُدفع، وحجم الضجة التي تُصنع حول هذه الأسماء، تشعر وكأننا أمام نجوم مكتملين، لا لاعبين ما زالوا في مرحلة إثبات أنفسهم.

ومع ذلك، يجب أن نكون دقيقين: قيمة الصفقتين المتداولة تقترب من 280 مليون يورو، وليست أكثر من 300 مليون وفق التقديرات المذكورة. لكن حتى هذا المبلغ وحده يكفي لطرح السؤال الذي أريد الوصول إليه.

هل أصبحت السوق تدفع مقابل ما قد يقدمه اللاعب مستقبلًا، أم أننا بدأنا نتعامل مع التوقعات كما لو كانت إنجازات تحققت بالفعل؟

مشكلتي ليست أن يسجل باركولا عددًا قليلًا من الأهداف، أو أن يحتاج ديوماندي إلى وقت حتى يثبت نفسه. لا أنتظر من كل لاعب شاب أن يكون هدافًا تاريخيًا منذ موسمه الأول.

مشكلتي هي أن يتحول اللاعب الواعد إلى نجم عالمي في أعين الجماهير قبل أن يقدّم ما يكفي ليستحق هذه المكانة.

مشكلتي أن تسبق سمعته إنجازاته، وأن تسبق قيمته السوقية قيمته الفنية، وأن يتحول الحديث عن إمكاناته إلى حكم نهائي على مستواه.

والأخطر من ذلك كله أن يصبح هؤلاء معيارًا نقيس به لاعبين آخرين صنعوا تاريخهم في الملاعب، وقدّموا مواسم كاملة من الحسم والاستمرارية والتأثير، ثم نجد أنفسنا نقارنهم بأسماء لم تصل بعد إلى ما حققه أولئك اللاعبون.

والآن، دعونا نتحدث عن فينيسيوس جونيور.

لاعب يمتلك موهبة استثنائية، وسرعة، ومراوغة، وقدرة على صناعة الفارق في المباريات الكبرى. وقد أثبت بالفعل أنه لاعب حاسم، وساهم في نجاحات ريال مدريد الأوروبية والمحلية.

لكن فينيسيوس أيضًا يكشف لنا جانبًا آخر من المشكلة: كيف ننتقل من الاعتراف بموهبة لاعب وتأثيره إلى وضعه في مقارنات تاريخية لا تتناسب بالضرورة مع ما قدّمه؟

وفقًا لرويترز، سجّل فينيسيوس 128 هدفًا وصنع 100 هدف مع ريال مدريد حتى أغسطس 2026، وهي أرقام تؤكد أنه ليس مجرد لاعب يعيش على اللقطات أو الضجة الإعلامية.

لكن السؤال ليس ما إذا كان فينيسيوس لاعبًا كبيرًا؛ لقد أثبت ذلك بالفعل. السؤال هو: هل يكفي ما قدّمه لوضعه في أي مقارنة تاريخية نريدها، أم أن لكل مرتبة شروطًا تتعلق بالاستمرارية والإنجازات والتأثير؟

كيف يتحول لاعب، مهما بلغت موهبته، إلى معيار نقيس عليه أساطير اللعبة، ثم نعتبر أي اعتراض على هذه المقارنات تقليلًا من شأنه؟

الأرقام وحدها لا تحكي القصة كاملة، لكنها تمنعنا من اختراع قصة لا وجود لها.

فينيسيوس ليس مجرد أرقام، كما أن باركولا ليس مجرد عدد أهداف، وديوماندي ليس مجرد موهبة شابة. تقييم اللاعب يحتاج إلى النظر في دوره التكتيكي، وتأثيره في المباريات الكبرى، واستمراريته، وقدرته على قيادة الفريق، وما يقدمه عندما لا تسير الأمور كما يريد.

لكن هذا التقييم يحتاج إلى وقت ومشاهدة وتحليل، وهذه بالضبط الأشياء التي أصبحت أقل حضورًا في زمن اللقطة السريعة.

اليوم، قد تمنحك مراوغة واحدة انتشارًا هائلًا، وقد يصنع مقطع قصير من مباراة لاعبًا خارقًا في أعين الجمهور، وقد تتحول مباراة جيدة إلى دليل على أن لاعبًا ما يستحق مئات الملايين.

أما المباريات السيئة، والأسئلة التكتيكية، وحدود اللاعب الحقيقية، ومدى قدرته على تكرار ما فعله، فكلها تفاصيل يمكن تجاهلها بسهولة عندما تكون اللقطة وحدها هي التي تصنع الرأي العام.

وهكذا أصبحت كرة القدم تشبه تيك توك: لقطة، انتشار، ضجة، ثم حكم نهائي.

لكن كرة القدم الحقيقية لا تُلعب في مقطع مدته ثلاثون ثانية. إنها تُلعب على مدار موسم كامل، وأحيانًا على مدار سنوات، حيث تظهر الفروق الحقيقية بين لاعب يمتلك الموهبة، ولاعب يعرف كيف يحوّل موهبته إلى قيمة ثابتة لفريقه.

لا أستنقص من باركولا، ولا أنكر موهبة ديوماندي، ولا أقلل من قيمة فينيسيوس. أنا أتحدث عن أزمة أكبر من هؤلاء جميعًا: أزمة تضخيم، واستعجال في إطلاق الأحكام، وخلط بين ما يمكن أن يصبح عليه اللاعب وما أصبح عليه بالفعل.

فليس كل موهوب نجمًا، وليس كل نجم أسطورة، وليس كل لاعب تتسابق الأندية لضمه يستحق أن يوضع مباشرةً في أعلى مراتب اللعبة.

المشكلة ليست في أن نصنع نجومًا جددًا، بل في أن نمنحهم مكانة لم يصلوا إليها بعد، ثم نطالب كرة القدم بأن تؤكد لنا صحة ما قررناه مسبقًا.

والأيام كفيلة بكشف الفارق بين نجم صنعته الضجة، ونجم صنع مكانته داخل الملعب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى