
إذا كنت تتابع كرة القدم بعمق، فلا بد أن تعرف أن مصطلح “الريجيستا” لا يصف نوعًا واحدًا من اللاعبين كما يعتقد كثيرون.
حتى الريجيستا نفسه ينقسم إلى مدارس مختلفة.
أشهرها: الريجيستا الثابت (Static Regista) والريجيستا المتحرك (Dynamic Regista).
والخلط بينهما هو السبب في كثير من الأحكام الخاطئة على لاعبي الوسط.
الريجيستا المتحرك يعتمد أساسًا على الحركة المستمرة. قوته ليست في الوقوف أمام الدفاع واستلام الكرة فقط، بل في التنقل الدائم بين المساحات، وربط الخطوط، وخلق زوايا تمرير جديدة في كل لحظة.
لهذا السبب من الصعب جدًا أن تضع هذا النوع كلاعب ارتكاز ثابت وتطلب منه البقاء أمام الدفاع طوال المباراة.
أنت هنا تسلبه أهم سلاح يملكه.
انظر إلى نسخة لوكا مودريتش في ريال مدريد. لم يكن صانع لعب ثابتًا بقدر ما كان لاعبًا يربط الفريق بالكامل من خلال الحركة المستمرة. الأمر نفسه ينطبق على أندريس إنييستا، وعلى بيرناردو سيلفا في كثير من أدواره مع مانشستر سيتي.
وفي الجيل الحالي يمكنك رؤية ملامح البروفايل نفسه لدى إليوت أندرسون، وإنزو فيرنانديز، وجواو نيفيز، وفرينكي دي يونغ، مع اختلاف الجودة والمستوى بالطبع.
أما الريجيستا الثابت فالقصة مختلفة تمامًا.
هذا اللاعب لا يحتاج إلى الركض المستمر في كل أرجاء الملعب. ستجده غالبًا متمركزًا في قلب الهيكل التكتيكي للفريق، داخل الثلث الأوسط، لأنه ببساطة البوصلة التي تدور حولها تحركات زملائه.
هو العقل المفكر.
هو رأس الحية.
ومن خلال تمركزه وقدرته على قراءة المشهد، يصبح مسؤولًا عن توجيه الإيقاع وصناعة اللعب من المناطق المتأخرة.
أفضل مثال على ذلك هو توني كروس.
وبجانبه يمكن وضع سيرخيو بوسكيتس، ورودري، وتشابي ألونسو. جميعهم امتلكوا القدرة على التحكم بالمباراة من مواقعهم دون الحاجة إلى التحرك المستمر بنفس كثافة الريجيستا الديناميكي.
وفي كرة القدم الحالية، يبرز فيتينيا وتشالهان أوغلو وآدم وارتون كأمثلة واضحة على هذه المدرسة.
والمثير للاهتمام أن هذا النوع تحديدًا أصبح نادرًا جدًا في السنوات الأخيرة.
في السابق كان من السهل أن تجد لاعبًا بهذا القالب في معظم الأندية الكبرى.
أما اليوم فالعثور على ريجيستا حقيقي بات أشبه بالعثور على عملة نادرة.
لكن هناك مستوى أكثر ندرة من ذلك كله.
اللاعب القادر على أداء الدورين معًا.
أن يكون ريجيستا ثابتًا حين يحتاج الفريق إلى السيطرة والتنظيم.
وريجيستا متحركًا حين تحتاج المباراة إلى كسر الخطوط والربط بين المراكز.
وهنا يأتي اسم بيدري.
الإسباني يمتلك قدرة استثنائية على التحول بين المدرستين دون أن يفقد جودته أو تأثيره.
وهذا ما جعل كثيرين يعتبرونه واحدًا من أكثر لاعبي الوسط اكتمالًا في جيله.
وقبله رأينا نماذج مشابهة بدرجات مختلفة مثل مودريتش، وفيتينيا، وبيرناردو سيلفا.
أما الغالبية العظمى من لاعبي الوسط، فتجدهم يتفوقون في أحد القالبين فقط.
إما ثابت.
أو متحرك.
أما الجمع بين الاثنين، فذلك مستوى آخر تمامًا.
ولهذا السبب تحديدًا تبقى فئة الريجيستا هي الأغلى والأكثر قيمة في كرة القدم الحديثة.
ليس لأنها الأسرع أو الأقوى بدنيًا.
بل لأنها غالبًا الأذكى.
الأكثر فهمًا للمساحات.
والأعلى إدراكًا لسياقات المباراة وما تحتاجه كل لحظة داخلها.




