ريال مدريدمقالات وتحليلات

بيريز اختار طريقًا آخر… لكن هل دفع ريال مدريد الثمن تكتيكيًا؟

تعال أحكي لك واحدة من أكثر القصص التي تجاهلها جمهور ريال مدريد لسنوات… قصة الفراغ الذي بدأ يوم رحل كريستيانو رونالدو، لكنه لم يكن فراغ لاعب فقط، بل فراغ مدرسة كاملة.

منذ صافرة نهاية نهائي كييف 2018، لم يرتدِ أي لاعب برتغالي قميص الفريق الأول لريال مدريد في مباراة رسمية. رحل كريستيانو، وقبله بيبي، ثم فابيو كوينتراو، وكأن بابًا كاملاً أُغلق دفعة واحدة داخل النادي… باب كانت تدخل منه واحدة من أغنى المدارس الكروية في أوروبا.

الكثير يظن أن الأمر مجرد صدفة في السوق، لكنه في الحقيقة كان نتيجة تحول إداري واضح داخل ريال مدريد. العلاقة التاريخية مع شبكة خورخي مينديز بدأت تتآكل تدريجيًا بعد سنوات من الخلافات حول التجديدات والنفوذ والتسويق، ومع الوقت حدث انفصال غير معلن غيّر خريطة تعاقدات النادي بالكامل.

ومن هنا بدأ ريال مدريد يبتعد شيئًا فشيئًا عن السوق البرتغالي… وربما عن نوعية معينة من اللاعبين أيضًا.

المفارقة المؤلمة أن هذا الابتعاد جاء بالتزامن مع الانفجار الذهبي للمواهب البرتغالية. بينما كانت البرتغال تُخرج أسماء مثل برناردو سيلفا، روبن دياز، فيتينيا، جواو نيفيز، نونو مينديش، غونسالو إيناسيو وبيدرو نيتو، كان ريال مدريد شبه غائب عن هذا المشهد بالكامل.

في المقابل، كانت أندية مثل باريس سان جيرمان ومانشستر سيتي تبني جزءًا كبيرًا من مستقبلها الفني على هذه النوعية من اللاعبين؛ لاعبين يمنحونك السيطرة قبل السرعة، والفهم قبل الاندفاع، والتنظيم قبل الفوضى.

أما ريال مدريد، فقد اختار طريقًا مختلفًا تمامًا.

بعد صعود جوني كالافات داخل مشروع الاستقطاب، تحولت الأولوية نحو المواهب البرازيلية وفرنسا تحديدًا. بدأ النادي يراكم السرعة والقوة والانفجار البدني: فينيسيوس، رودريغو، إندريك، كامافينغا، تشواميني، ميندي… والآن تظهر أسماء جديدة بنفس الاتجاه.

لا أحد ينكر أن هذا المشروع حقق نجاحات ضخمة، خصوصًا مع وجود عقلين استثنائيين مثل لوكا مودريتش وتوني كروس اللذين كانا يخفيان الكثير من العيوب التكتيكية داخل الفريق. لكن بعد رحيلهما ظهرت الأزمة الحقيقية بوضوح: ريال مدريد يملك القوة والركض والتحولات… لكنه يفتقد اللاعب الذي يفرض الإيقاع عندما تصبح المباراة معقدة.

وهنا تحديدًا يظهر السؤال الذي يطارد ريال مدريد اليوم: لماذا يبحث النادي باستمرار عن لاعب يتحكم بالنسق ويكسر الضغط ويعيد ترتيب الفوضى… بينما كان هذا النوع من اللاعبين ينمو طوال السنوات الماضية داخل البرتغال؟

لاعب مثل فيتينيا لا يمنحك مجرد تمريرات، بل يمنحك هدوءًا جماعيًا. جواو نيفيز لا يركض فقط، بل يفهم أين يجب أن يقف الجميع. وبرناردو سيلفا يمثل المدرسة التي تحول الاستحواذ من أرقام إلى سيطرة حقيقية على المباراة.

هذه ليست مواهب عادية، بل عقول كروية حديثة.

المؤلم أكثر أن ريال مدريد اليوم يبدو وكأنه يحاول استعادة شيء كان قريبًا منه أصلًا، لكنه ابتعد عنه بإرادته. النادي راكم الأقدام السريعة لسنوات، لكنه في المقابل خسر تدريجيًا أحد أهم مصادر الذكاء التكتيكي في كرة القدم الأوروبية.

ولهذا تبدو فكرة “اللاعب البرتغالي” اليوم داخل ريال مدريد وكأنها حلم بعيد… رغم أنها كانت يومًا جزءًا طبيعيًا من هوية الفريق.

الخلاصة؟

المشكلة لم تكن يومًا في غياب الجنسية البرتغالية بحد ذاتها، بل في خسارة نوعية كاملة من اللاعبين. ريال مدريد بنى فريقًا مرعبًا بدنيًا، لكنه مع الوقت تخلّى طوعًا عن المدرسة التي تنتج أكثر اللاعبين قدرة على التحكم، التنظيم، وفرض النظام وسط الفوضى.

وربما لهذا السبب بالذات… يشعر كثير من المدريديين اليوم أن الفريق يركض كثيرًا، لكنه لا يفكر بالقدر الكافي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى