
في زمن أصبحت فيه كرة القدم تُقاس أكثر بالأرقام والخرائط الحرارية والبيانات… يظهر لاعب يذكّرك أن اللعبة في الأصل صُنعت لتُشاهَد.
الحديث هنا عن فرينكي دي يونغ.
هناك لاعبون يركضون أكثر، لاعبون يسجلون أكثر، لاعبون يصنعون أكثر… لكن توجد فئة مختلفة تمامًا؛ لاعب يجعلك تنسى كل ذلك وتكتفي بالمشاهدة. تستمتع بما يفعله دون أن تبحث عن الإحصائية التي تثبت قيمته.
فرينكي من هذا النوع.
في السنوات الأخيرة أصبحت أدوار لاعبي الوسط أكثر تعقيدًا وتنوعًا. لم يعد هناك قالب واحد: محور دفاعي، صانع لعب، لاعب صندوق لصندوق… بل أصبح السؤال الأهم: ماذا يستطيع اللاعب أن يقدّم؟ وكيف يوظفه المدرب؟
دي يونغ كان حالة خاصة منذ بداياته مع أياكس. ورغم أن كثيرين يربطونه تلقائيًا بدور لاعب الارتكاز المنظم، فإن ما ميّزه دائمًا لم يكن الالتزام بالموقع… بل التحرر منه.
في مراحل تطوره الأولى، لعب بأدوار هجومية أكثر، ثم جاء إريك تين هاغ ومنحه المساحة التي تناسب شخصيته داخل الملعب. يبدأ من العمق، يهبط بين قلبي الدفاع، يشارك في البناء… ثم فجأة يحمل الكرة بنفسه ويتقدم، يخرج من المنظومة وكأنه يرسم طريقه الخاص.
هنا تكمن خصوصيته.
هو ليس لاعبًا يحب أن تُقال له: هذا مربعك وهذه حدودك.
يتحرك وكأن الكرة تقوده لا العكس.
ومع برشلونة ظهرت هذه الصورة أكثر؛ كثيرًا ما كان يتقدم بالكرة نحو الجهة اليسرى، يقترب من الجناح، ويحوّل الخروج من الضغط إلى مشهد فني بدل أن يكون مجرد عملية تكتيكية.
هناك لاعبون يسيطرون على المباراة بالقوة. وهناك لاعبون يسيطرون عليها بالإيقاع.
وفرينكي من النوع الثاني.
جسم هادئ، حركة هادئة، قرارات تبدو بسيطة لكنها تفتح الملعب كله. لا يمنحك شعور اللاعب الذي يحارب الكرة… بل اللاعب الذي يفهمها.
ولهذا تجد كثيرين يرونه من لاعبي “الطراز الرفيع”؛ ليس لأنه يسجل أكثر أو يركض أكثر… بل لأنه يجعلك تشعر أن كرة القدم ما زالت فنًا قبل أن تكون أرقامًا.
وربما الشيء الوحيد الذي قد يظلمه تاريخيًا أن إرث اللاعبين كثيرًا ما يُختصر في عدد الألقاب.
ولهذا تبقى فكرة رؤية هولندا تحقق بطولة كبرى بوجوده حلمًا جميلًا… لأن بعض اللاعبين تستحق أن تُتوج ليس فقط بسبب الإنجازات، بل لأنهم يذكّرون الناس لماذا أحبوا كرة القدم من الأساس.
النحلة الهولندية | فرينكي دي يونغ




